ابن كثير
65
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال محمد بن عمر الواقدي : أخبرني عمر بن عقبة عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : لما تواقف الناس أغمي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساعة ، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس ، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس ، وإسرافيل في جند آخر ألف ، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ، فلما أبصر عدو اللّه الملائكة ، نكص على عقبيه ، وقال : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، فتشبث به الحارث بن هشام ، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه ، فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث ، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع ثوبه ، وقال يا رب موعدك الذي وعدتني . وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع ، قريب من هذا السياق وأبسط منه ، ذكرناه في السيرة . وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب ، فكاد ذلك أن يثنيهم ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة ، فقال أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه ، فخرجوا سراعا « 1 » . قال محمد بن إسحاق : فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه ، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان ، كان الذي رآه حين نكص ، الحارث بن هشام أو عمير بن وهب ، فقال أين سراقة ؟ أين وميل عدو اللّه فذهب ، قال فأوردهم ثم أسلمهم ، قال ونظر عدوا اللّه إلى جنود اللّه قد أيد اللّه بهم رسوله والمؤمنين ، فنكص على عقبيه ، وقال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، وصدق عدو اللّه ، وقال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ « 2 » ، وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم رحمهم اللّه . وقال قتادة : وذكر لنا أنه رأى جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة ، فعلم عدو اللّه أنه لا يدان له بالملائكة ، فقال إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف اللّه وكذب عدو اللّه . واللّه ما به مخافة اللّه ، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة ، وتلك عادة عدو اللّه لمن أطاعه واستقاد له ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم ، وتبرأ منهم عند ذلك « 3 » . قلت : يعني بعادته لمن أطاعه ، قوله تعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [ الحشر : 16 ] وقوله تعالى : وَقالَ الشَّيْطانُ
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 264 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 264 ، وسيرة ابن هشام 1 / 663 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 265 .